محمد جمال الدين القاسمي

190

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ تأكيد للقيوم . أي لا يغفل عن تدبير أمر الخلق تعالى وتقدس . والسنة ( كعدة ) والوسن ( محركة وبهاء ) والوسنة شدة النوم أو أوله ، أو النعاس . كذا في القاموس . قال المهايميّ : السنة فتور يتقدم النوم . والنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء دماغه من رطوبات أبخرة متصاعدة تمنع الحواس الظاهرة عن الإحساس . فهما منقصان للحياة منافيان للقيومية ، لأنهما من التغيرات المنافية لوجوب الوجود الذي للقيوم . ونفي النوم أوّلا التزاما ، ثم تصريحا ، ليدل كمال نفيه على ثبوت كمال ما ينافيه . ومن كمال قيوميته اختصاصه بملك العلويات والسفليات المشار إليه بقوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ من الملائكة والشمس والقمر والكواكب وَما فِي الْأَرْضِ من العوالم المشاهدات . وهذا إخبار بأن الجميع في ملكه وتحت قهره وسلطانه . كقوله : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [ مريم : 93 - 94 ] . مَنْ ذَا من الأنبياء والملائكة ، فضلا عما ادعى الكفار شفاعته من الأصنام الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ فضلا عن أن يقاومه أو يناصبه إِلَّا بِإِذْنِهِ أي بتمكينه تحقيقا للعبودية ، كما قال تعالى : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [ النجم : 26 ] . وكقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] . وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عزّ وجلّ ، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة . كما في حديث الشفاعة « 1 » : « آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني . ثم يقال : ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع ، قال : فيحدّ لي حدّا فأدخلهم الجنة » . قال أبو العباس بن تيمية : نفى اللّه عما سواه كل ما يتعلق به المشركون . فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونا للّه ولم يبق إلا الشفاعة . فبيّن أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب . فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن . وأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده . لا يبدأ

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التوحيد ، 19 - باب قوله تعالى : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ . ومسلم في : الإيمان ، حديث 322 - 326 . وهو حديث طويل وجليل وعظيم الشأن ، والسعيد من ظفر به وأحاط علما بما فيه .